TwitterFacebookGoogle PlusRSS FeedEmail
welcome to our site
تنطلق رؤيتنا الاقتصادية من التأكيد على الحرية الاقتصادية عبر اعتماد آليات السوق الحر وحرية انتقال عناصر الإنتاج كأسس لتنظيم الاقتصاد الوطني.

ثانياً: الدولة الوطنية الحديثة

ثانياً: الدولة الوطنية الحديثة
0 votes, 0.00 avg. rating (0% score)

1- مقدمة

ليس ثمة ممارسة في الواقع إلا وثمة رؤية تقبع خلفها، تؤسس لها وتفسرها، فالبؤس الفادح الذي تتكشف عنه معظم الممارسات الراهنة ليس إلا مجرد تجلٍ لبؤس أكثر فداحة في الرؤية والثقافة السائدة. من هنا تأتي أهمية التأسيس لرؤية فكرية سياسية نابعة من حقائق العصر والواقع والحاجات والتحديات، أملاً في إنتاج أشكال متقدمة وحضارية من العمل والممارسة. ولعل أهم القضايا التي تحتاج إلى تأسيس معرفي جاد تلك المتعلقة بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة والأمة والقومية والشعب والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والديمقراطية في مجتمعنا، على أنه لا يمكن النظر لهذه القضايا وكأنها دين جديد أو أيديولوجيا جديدة، وإنما ينبغي النظر إليها بصفتها مشروعاً غير منجز، وفي حالة تطور وتجديد مستمرين. لكن محاولة تأسيس وتأصيل المفاهيم لا تستطيع أن تدعي لنفسها قيمة عملية، لأن الفكر لا يصنع التاريخ، وإن كان شرطاً لازماً لكل عمل تاريخي.

لعل أكثر المفاهيم غموضاً والتباساً ما يظن الناس أنه من قبيل البديهيات، ولا سيما حين تندرج في نسق أيديولوجي دوغمائي واستاتيكي يحول كل ما يقع في دائرتها إلى “ثوابت قومية” أو “ثوابت وطنية” أو “ثوابت دينية” متحجرة، ليس لها أي وظيفة سوى تسويغ الاستبداد وإمداده بمشروعية وهمية. فضلاً عما يشوبها من التباسات معرفية وسياسية تنم على ارتباك الخطاب السياسي وضبابيته، أهمها التباس الوطنية بالقومية، ونشوء ازدواجية الوطني والقومي؛ والتباس مفهوم القومية بالأحزاب القومية، أو ما سمي بالحركة القومية، أي بالأحزاب التي تبنت أيديولوجية قومية أو قوموية.

المفاهيم كليات اللغة، وليس لأي منها قيمة خاصة، إلا من وجهة نظر الذاتية التي قدست كلمات ودنست أخرى أو شيطنتها، وجعلت للكلمات المقدسة سحراً وسلطة يصعب الفكاك منهما. لعل تحرير اللغة من بعديها: المقدس والسحري، ومما علق بها من أوشاب الأيديولوجية جراء محاولات السيطرة عليها شرط لازم لتحرير الفكر. فلجميع مفردات اللغة قيم معرفية ودلالية متساوية. وليس بوسعنا أن نحكم على هذا المفهوم أو ذاك إلا في نطاق النسق أو الخطاب الذي يندرج فيه، أي في نطاق شبكة العلاقات التي ينتظم فيها فيؤدي وظيفة خاصة لدى متكلم معيَّن، في شروط وملابسات معينة.

إن مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة وسيادة الشعب وسيادة القانون، ومفاهيم الأمة والوطن والمجتمع المدني والشعب كلها تقع في حقل دلالي واحد، أو تنتمي إلى حقل دلالي واحد هو ذاته حقل الإنسانوية والعقلانية والعلمانية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذه هي النقطة الرئيسة في مقاربتنا لجميع هذه المفاهيم.

2- نشوء الدولة الحديثة

لم تشهد المجتمعات العربية قيام الدولة بالمعنى السياسي المعاصر. إنها تعيش حالة ما قبل الدولة، أو وضعية الدولة ما قبل السياسية أو حالة السلطنات والإمارات، وربما لذلك يفتقر قطاع واسع من النخبة إلى التمييز بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة. لذا فإن إعادة طرق موضوع الدولة من زاوية فكرية ليس أمراً للترف الثقافي، بل هو موضوع شديد اللصوق بمسألة التحول الديمقراطي، وبتشوهات الخطاب السياسي في تناوله للمسألة الوطنية.

لعل أعظم ثلاث ثورات في تاريخ البشر هي، على التوالي، ظهور الاجتماع البشري والثورة الزراعية من تدجين الحيوان وتكثيره إلى زراعة المحاصيل والاستقرار في الأرض وبناء القرى والمدن، ثم الثورة الصناعية الحديثة والمعاصرة. فأول ثورة في تاريخ البشر بعد ظهور النوع، هي نشوء الاجتماع البشري، والتي انتقل بها الإنسان من الحالة الطبيعية إلى الحالة الاجتماعية، وكانت الحاجة للقانون ملازمة لظهور الاجتماع البشري، يتخلى بموجبه عن جزء من حريته وحقوقه لقاء العيش المشترك مع الآخرين، وهذا الجزء الذي يتخلى عنه كل فرد بدافع الحاجة إلى الاجتماع هو جوهر القانون، ووظيفة الدولة هي تحقيق فكرة القانون.

يبدو تمييز الدولة من السلطة ضرورياً في موضوعنا، وفي أوضاعنا، على السواء. السلطة أقدم من الدولة وأوسع نطاقاً وأكثر تنوعاً، والتعبير عنها قديم في جميع اللغات والثقافات وفي تجارب مختلف الجماعات والتجمعات والمجتمعات والشعوب، أما مفهوم الدولة فهو مفهوم حديث، يمكن أن يؤرخ له ببدايات النهضة الحديثة في الغرب، وهو مرتبط بتاريخ المجتمع المدني. فقد نشأت الدولة السياسية الحديثة (أو الدولة الوطنية/القومية) في كنف الثورة البورجوازية التي قامت في أوربا كتتويج لسيرورة عصر النهضة والإصلاح والتنوير، وهي من أهم معالم الحداثة في مستواها السياسي، ولا يمكن فصلها عن التحولات التي طالت بنى المجتمع في مستويات الاقتصاد والإنتاج، كما في مستويات الثقافة والفكر والفلسفة.

لا مراء إذاً في أن الدولة الحديثة نمت في كنف النظام الرأسمالي، واقترن نشوؤها بنشوء الأمة، بمعناها الحديث الذي يحيل على المجتمع المدني، ولكن الرأسمالية لم تكن لتغدو نظاماً عاماً، ثم نظاماً عالمياً من دون الدولة التي وفرت الشروط الضرورية للتراكم الأولي والإنتاج الموسع والتجارة، ووفرت الحماية للمنتجين والتجار، وأسهمت جيوشها في تعميق التوسع الرأسمالي على الصعيد العالمي. والثورة البورجوازية غير مقطوعة الصلات بسيرورة النهضة والإصلاح والاستنارة التي مهدت للانتقال من التشظي إلى الوحدة ومن المحلوية إلى الوطنية ومن الملة إلى الأمة ومن الخصوصية إلى الكونية. لذا فالدولة أحد أهم معالم الحداثة الليبرالية، إذ لم يكن هناك دول قبلها بالمعنى الحديث للكلمة، أي دولة العقد الاجتماعي، بل أشكال من الحكم المطلق القائمة على منطق الغلبة والقهر، وعلى منطق العصبية بالمعنى “الخلدوني” .مع بزوغ الحداثة فقط غدت السياسة شأناً عاماً، ووظيفة ملازمة للفرد/المواطن تعبِّر عن عضويته في المجتمع والدولة، وغدت من ثم فاعلية اجتماعية ومجتمعية، لا فاعلية سلطوية وسلطانية.

ارتبط مفهوم الدولة الحديثة منذ نشوئه بمفهوم المجتمع المدني على الصعيد الاجتماعي، وبمفهوم الأمة على الصعيد الثقافي، وبمفهوم الشعب على الصعيد السياسي، وإنه لضرب من العبث نفي علاقة التسبب بين الدولة والأمة، ولكنه من العبث أيضاً وضعهما في علاقة كعلاقة الدجاجة والبيضة. وهناك ثلاث واقعات كونية، أفرزت صورة الدولة الحديثة، هي الثورة الصناعية، ونشوء نمط الإنتاج الرأسمالي، والثورة الديموقراطية، وبناءً على هذه التحولات، فإنّ أيّ جماعة أو أمة تضع نفسها خارج هذا المنجز الكوني، تحكم على نفسها بالبقاء على الهامش خارج دائرة التاريخ.

ويتفق الفلاسفة وعلماء الاجتماع السياسي على ما بات يسمى “نظرية العقد الاجتماعي” أساساً لنشوء المجتمع المدني والدولة القومية الحديثة، ويرى علماء القانون الدستوري في الدستور تجسيداً لفكرة العقد الاجتماعي، وهذا المدخل القانوني لا يقل أهمية عن المدخل السوسيولوجي أو عن المدخل الاقتصادي أو غيرهما من المداخل الممكنة، ولكن أياً من هذه المداخل يظل قاصراً وحده عن الإحاطة بجميع جوانب المسألة، لأن لكل منها منطقاً خاصاً هو بالأحرى فرع من منطق الجملة الكلية، أو الكلية العينية التي هي الواقع الفعلي.

هنا تبرز ضرورة إبراز الأسس والمبادئ التي قامت عليها فكرة المجتمع المدني والدولة الوطنية/ القومية، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لاعتقادنا بأن هذه الأسس والمبادئ قابلة للبسط والإنماء، وقابلة للبناء عليها، بحكم طابعها العام، الكوني، إذا صح التعبير، وذلك لكي تكون هذه الأسس والمبادئ البسيطة أسساً ومبادئ لرؤية جديدة ذات بعد إنساني، كوني وتاريخي وديمقراطي.

 

3- الدولة التسلطية في المنطقة العربية

أدَّت الدولة التسلطية في المشرق العربي إلى إنتاج علاقة تخارج بين الدولة والمجتمع، من خلال بناء دولة التنظيمات الاستبدادية، أي عبر توسيع مجال الدولة السياسي وتضييق المجال السياسي المجتمعي وتقليصه حتى يتطابق مع مجال الدولة/السلطة، وذلك بنزع السياسة من المجتمع وعسكرة مجال الدولة ذاته ومأسسة القمع وتعميقه بالاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة. وهذا كله أدى لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية المملوكية العثمانية، ولا سيما علاقات الولاء ومنطق الامتيازات، وسيطرة العرف والتقليد وغياب القانون؛ فالسمة الأساسية للدولة التسلطية هي مجافاتها لمبادئ المواطنة والحق والقانون.

إن فكرة الدولة الوطنية الحديثة (دولة جميع المواطنين) وما يتصل بها ويقع في حقلها من مفاهيم ومقولات كانت غائبة عن الثقافة السياسية على مدى نصف قرن، تآكلت في خلاله الثقافة الوطنية مع تآكل الدولة، التي نشأت في العهد الليبرالي، أو ضمور طابعها الوطني، العام. وتحولت الثقافة إلى ثقافة محلوية ودعاية وإعلام، كما تحول الفكر إلى أيديولوجيا.

يضاف إلى ذلك أنه ليس في لغتنا وثقافتنا التقليدية وتراثنا لا مفهوم الدولة ولا نظرية الدولة، ولم نعش تجربة الدولة، بل لدينا “سياسة سلطانية” و”أحكام سلطانية” و”آداب سلطانية”، هي كل عدتنا الثقافية والأخلاقية. إن كلمة (دولة) في اللغة العربية والثقافة العربية التقليدية والتراث العربي الإسلامي لا تدل على المعنى المتداول اليوم في الفكر الإنساني المعاصر لكلمة دولة etat أوstate  وكذلك الكلمات المرادفة لها في الثقافة التقليدية والتراث، كالخلافة والإمارة والسلطنة والملك والحكم والأمر.

 

 

4- مبادئ وأسس الدولة الوطنية الحديثة

 

أ- المبادئ والأسس

يحدِّد الحقوقيون الدولة، بل يعرفونها، بثلاثة عناصر موضوعية هي: السكان والأرض والسلطات العامة؛ وليس بوسع أحد أن يجادل أو يماري في موضوعية هذه العناصر، بل يمكن أن يجادل المرء في تحديدها واستكناه مدلولاتها أولاً، وفي كون الكل (الدولة) لا يتحدَّد بأي من أجزائه، ولا بأجزائه مجتمعة ثانياً. فإذا كانت عناصر الدولة الثلاثة، السكان والأرض والسلطات العامة، عناصر استاتيكية، ثابتة، فإن الدولة ليست كذلك؛ لأنها نتاج فاعلية مجتمع ينتج وجوده المادي، وينتجها، أي ينتج الدولة، شكلاً سياسياً لوجوده المادي، فالدولة هي شكل الوجود السياسي للمجتمع، أو هي التعبير القانوني/الحقوقي للأمة بمعناها الحديث الذي يحيل على المجتمع المدني.

تنتمي الدولة الوطنية الحديثة إلى نسق متكامل من المبادئ والمفاهيم تقوم بينها علاقات ضرورية، بحيث لا تقوم أي منها بغير الأخريات، كالمجتمع المدني، والديمقراطية، والإنسية، والمواطنة، وسيادة القانون وسيادة الشعب والشرعية الدستورية وفصل السلطات واستقلال القضاء وتداول السلطة سلماً .. إلخ. لا سبيل إلى التفكير في الحرية والفرد والفردانية والمواطنة إلا على اعتبار أنها قيم شديدة الاتصال بالدولة الوطنية الحديثة. ولا سبيل إلى الحديث عن الديمقراطية والدستور والمجتمع المدني والطبقات الاجتماعية إلا في اقترانها وجوداً أو غياباً بالدولة الوطنية الحديثة.

المبادئ الفكرية والسياسية والأخلاقية التي تتأسس عليها الدولة الوطنية الحديثة، انطلاقاً من هاتين الصفتين اللتين وصفت بهما الدولة، أي الوطنية والحداثة، ومن تلازمهما الضروري، هي: المبدأ الأول من هذه المبادئ المؤسِّسة هو المواطنة، بثلاثة أركانها: المساواة والحرية والمشاركة، وأبعادها: القانونية والثقافية والسياسية والأخلاقية. المواطنة مبدأ علماني، لأنها، مؤسسة على تساوي البشر في الكرامة الإنسانية، وتساوي مواطني الدولة المعنية في الحقوق المدنية والسياسية، وفي الكرامة الوطنية. أما المبدأ الثاني، فيتعلق بالسيادة، سيادة الدولة أو سيادة القانون، بصفته ماهية الدولة الحديثة وجوهرها، وهي سيادة مستمدة من الشعب. وأما المبدأ الثالث، فهو الشرعية. الشعب هو مصدر الشرعية في الدولة الحديثة، ومصدر جميع السلطات، بخلاف الشرعية المستمدة من “قانون إلهي” أو عقيدة دينية، أو فقه مذهبي، أو عقيدة (أيديولوجية) غير دينية، كالقومية والاشتراكية.

ليس للدولة بوصفها تجريد العمومية أي مضمون طبقي خاص أو جزئي، وإلا لكفت عن كونها دولة بالمعنى الحديث للكلمة. بيد أن الطابع الطبقي الذي ينسب للدولة هو طابع سلطتها السياسية فحسب، أي طابع ما يطلق عليه اسم الحكومة، وما من شك في أن هذه السلطة السياسية تطبع الدولة بطابعها إلى هذا الحد أو ذاك، بحسب ما تكون عليه علاقاتها مع بقية فئات المجتمع المعني، وحين تتماهى السلطة والدولة تضمر الدولة حتى تطابق حدود السلطة، ويغلب الخاص على العام والجزء على الكل، وذلكم هو مبدأ الاستبداد وعلته.

سلطة الدولة سلطة عامة من جانب، لأنها سلطة القانون، وخاصة من جانب آخر، لأنها سلطة الأكثرية السياسية التي تحظى بأكثرية أعضاء البرلمان وتؤلف الحكومة. بمعنى آخر للسلطة في الدولة الديمقراطية طابع مزدوج: عام وخاص، والانتخابات تتمخض في كل مرة عن أكثرية وأقلية سياسية، لذلك عرف بعضهم الديمقراطية بأنها حكم الأكثرية السياسية مع توفير الضمانات للأقلية، ومن أهم هذه الضمانات، بعد سيادة القانون على الحاكم والمحكوم، حرية المعارضة واستقلال منظمات المجتمع المدني. وتعتبر السلطة التشريعية في الدولة السياسية هي التعبير عن مشاركة المجتمع المدني في الدولة السياسية.

تشكل الدولة الحديثة رهاناً لإنجاز الحداثة وتحديث المجتمع، وإذا كانت الحداثة السياسية تغتني أكثر كلما تراكمت شروطها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وأثمرت نتائجها على صعيد المجال السياسي، فالصحيح في هذا المجال أن الدولة هي من يوفر هذا التراكم ويسمح به.

ب- العقد الاجتماعي جوهر عمومية الدولة الحديثة

إن الاختلاف هو ما يفرض الحاجة إلى العقد الاجتماعي، أو ما يجعل العقد الاجتماعي ضرورياً، والتماثل في الإنسانية والتساوي في المواطنة هو ما يجعل العقد الاجتماعي ممكناً. ومن ثم؛ فإن جدل التماثل والاختلاف، الذي يحكم عملية بناء المجتمع المدني والدولة الوطنية، هو مضمون العقد الاجتماعي. فاختلاف الأفراد وتعارض مصالحهم هو ما يوجب العقد الاجتماعي. وما هو مشترك بينهم جميعاً، على اختلافهم، هو ما يجعل العقد ممكناً. بالتالي فإن العقد الاجتماعي في حقيقته هو التجريد القانوني والحقوقي لما هو مشترك بين جميع الأفراد وجميع القوى والفئات الاجتماعية، وهذا المشترك هو ماهية هؤلاء وجوهرهم.

العقد الاجتماعي يقيد المصالح الخاصة بقيود المصلحة العامة التي لا يمكن أن يمثلها إلا كائن سياسي مستقل ومحايد إزاءها جميعاً، وإزاء الأفراد بصفاتهم الشخصية ومحمولاتهم، هذا الكائن السياسي الذي أنتجه العقد الاجتماعي صار نقطة التقاء جميع الأفراد بوصفهم مواطني الدولة، وقد بات من الضروري أن تكون هذه الدولة وطنية، أي أن تكون دولة الأمة. الدولة الوطنية لا تلائم الوحدات المغلقة الإقطاعية، بل تتناسب مع مجتمع مبني على الصناعة والتبادل والتجارة الحرة. وكون الدولة وطنية يعني أنها فوق الطبقات والانقسامات، وفوق الأفراد جميعاً، ومن ثم فهي التجسيد القانوني للأمة.

الدستور تعبير قانوني لفكرة العقد الاجتماعي، وبالتالي تجسيد لإرادة الشعب؛ فـنص الدستور هو خلاصة لإثبات حقوق المواطنين ولطرق ممارسة السلطة بوساطتهم أو بوساطة ممثليهم. الدستور هو القانون الأسمى في تنظيم المجتمع الذي يحدّد أسس الدولة ومبادئها وحدودها.

 

 


 

ج- الدولة والدين

 

  • ·       الدولة الوطنية الحديثة لا تحتاج إلى أيديولوجية علمانية

ينبغي علينا إدراك حقيقة أن الدولة الوطنية الحديثة علمانية بطبيعتها ولا تحتاج إلى أيديولوجية علمانية، لأنها، أي الدولة، شخص معنوي، سياسي وقانوني وأخلاقي، فوق الطبقات والفئات، ومحايدة حياداً تاماً إزاء عقائد مواطنيها، بخلاف السلطة ذات الطبيعة المزدوجة.

مبدأ الدولة الوطنية هو العمومية التي تتجلى في الدستور والقانون العام، ومبدأ الدين هو الخصوصية. كل دين هو دين خاص، فضلاً عن كون كل مذهب مذهباً خاصاً. الدولة مجال عام، والدين، الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي، مجال خاص لجماعة بعينها. العام هو ما يحدِّد الخاص، لا العكس. أي ينتمي مفهوم الدولة إلى دائرة الموضوعية، في حين ينتمي الدين إلى دائرة الذاتية. والأهم من ذلك أن مفهوم الدولة مفهوم مجرد يدل على العمومية، بخلاف السلطة السياسية التي يمكن أن توصف بأنها دينية أو مدنية، بحكم طابعها المزدوج، العام والخاص. ونعتقد أن شعار الدولة الدينية (الإسلامية) ناتج من عدم تمييز الدولة من السلطة ونظام الحكم، وهذه، الدولة والسلطة ونظام الحكم، ثلاثة أشياء مختلفة.

شعار الدولة العلمانية، الذي يرفعه البعض ضد شعار الدولة المدنية أو الدولة الدينية، مجرد شعار فارغ، لأنه يفترض أن الدولة يمكن أن تكون دينية، إسلامية أو مسيحية أو يهودية، وتظل مع ذلك دولة وطنية حديثة. العلمانية صفة لأفراد أو جماعات لا صفة للدولة، لأنها لا تحدِّد الدولة ولا تعيِّنها، فهي كوصف الماء بأنه ماء،  ويندرج، من ثم، في باب السجال وصفِّ الكلام، كشعار الدولة المدنية أو الدولة الدينية المتناقض في ذاته. كل التوصيفات الملحقة بالدولة وكل الشعارات المرفوعة بخصوصها تشير إلى الجهل بما هي الدولة، أو تدلل على المكر، وهذا أدهى.

العلمانية هي طبيعة الدولة، بما هي فضاء عام وحيادي، أما السلطة السياسية، أي الحكومة، فلها طبيعة مزدوجة، عامة، لأنها سلطة الدولة ومكلفة تنفيذ القوانين العامة، وخاصة، لأنها تمثل الحزب الذي يفوز في الانتخابات بأكثرية مقاعد البرلمان، ويشكل الحكومة وحده أو متحالفاً مع غيره.

إذا قام الإسلاميون بأسلمة الدولة بعد وصولهم للحكم، أي بإلغاء طابعها العام، كما قام البعثيون في سورية والعراق بتبعيث الدولة وتحويلها إلى مجال خاص، ستغدو “دولتهم” تناقضاً في ذاتها، وتنخفض إلى مجرد سلطة قهرية عارية، وسيفتحون أبواب الحرب الأهلية، كما حدث ويحدث في غير مكان. أسلمة الدولة لا تتحقق إلا بالقسر والإكراه والاستبداد والتسلط والقمع، وهي بالأحرى إعلان حرب أهلية، لا على غير المسلمين من “الكفار” فقط، بل على كثرة المسلمين، الذين تكفرهم الجماعات الإسلامية صراحة أو ضمناً، لأنهم ليسوا على صورتها ومثالها، ولا يرون رأيها، ولا يلتزمون تأويلها لما هو الإسلام.

كما علينا إدراك أن ما في الدين من قيم إنسانية قد تحقق بالفعل في الأسس الفكرية والأخلاقية للدولة الحديثة. وتتجلى علمانية الدولة واقعياً في الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وهي التي لا تستقيم الحياة السياسية ولا يتحقق استقرار سياسي دونها: أولاً: المواطنة، بما هي منظومة حقوق مدنية وسياسية وواجبات أخلاقية والتزامات قانونية يتساوى فيها جميع مواطني الدولة، بغض النظر عن معتقداتهم وتحديداتهم الذاتية. والمواطنة، بما هي انتماء وطني إلى الدولة، لا تقتضي تخلِّي الأفراد والجماعات لا عن شرطهم الديني أو المذهبي ولا عن محمولاتهم وتحديداتهم الذاتية، بل تدمجهم في نسيج وطني أو فضاء وطني مشترك بينهم جميعاً بالتساوي. إذ إن مجرد الإقرار بالمواطنة المتساوية فإن ذلك يعني أن الدولة علمانية بطبيعتها، بغض النظر عن الحزب الموجود في السلطة، سواء كان صاحب أيديولوجية علمانية أو دينية. ثانياً: السيادة المستمدة من الشعب هي سيادة الدولة، أي سيادة القانون، الذي هو روح الدولة، لا سيادة الحكومة أو السلطة التنفيذية. ثالثاً: الشرعية الدستورية، فالشرعية تستمد من الشعب، أو من العقد الاجتماعي بين أفراد أحرار، يعبر عنه الدستور والقانون، لا من مصدر إلهي أو قوة مفارقة أو شريعة دينية أو مذهبية أو نص مقدس أو أكثرية عددية، إثنية أو دينية أو مذهبية. الشعب هو من يضع الدستور والقانون، بوساطة جمعية تأسيسية منتخبة.

  • ·       تلفيق شعار الدولة المدنية

أما تعبير الدولة المدنية فهو شعار، محلي، حديث النشأة، لا ينتمي إلى الفكر السياسي، وقد استعمله الإسلاميون، بعد ثورة يوليو في مصر عام 1952، في معارضة الحكم العسكري، على أنه تعبير عن “حقيقة الدولة الإسلامية”. وتكرر ذلك على نطاق واسع مع ما سمي “الصحوة الإسلامية:، في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته. والغريب أن غير الإسلاميين، أي غير المنضوين في الجماعات الإسلامية، يرددون مصطلحاً إسلامياً عن قصد أو عن غير قصد للدلالة على الدولة التي يستقل فيها مجال السياسة عن مجال الدين، وهو ما يشير إما إلى الجهل أو المكر. فهو بذلك من الأضداد التي تدل على الشيء ونقيضه، أي يخفي تعبير الدولة المدنية تحت الاتفاق عليه خلافات مؤجلة ليست قليلة الشأن، رأينا مظاهرها في مصر وتونس بعد الثورة فيهما.

والمدهش هو أن الجدال يدور حول صفة (المدنية) لا حول الموصوف (الدولة)، إذ لم يحدث نقاش جدي حول مفهوم الدولة ذاته وكيفية نشوئها وارتباطها بالحداثة واقترانها بها، أو تعريفها وتعيين مبادئها وحدودها واقترانها بالمجتمع المدني والشعب والأمة الحديثة والوطن والمواطنة والتشارك الحر ومنظومة الحقوق المدنية والسياسية والحريات الخاصة والعامة والواجبات المدنية والمسؤوليات القانونية المتساوية.

هذا التعبير ابتكره الشيخ محمد عبده في صيغة تلفيقية حينما أضفى صفة “الشرعية الإسلامية” على الدولة الدستورية الحديثة، وكان هذا الرأي تأويلاً للإسلام، على نحو يتسق مع مقتضيات المدنية وحقائق العصر الحديث، وعمل بعده حسن البنا وسيد قطب على تأصيل المصطلح وتعيين حدوده انطلاقاً من افتراض أن “الدولة الإسلامية” لم تكن دولة دينية في يوم من الأيام، بل كانت وستظل “دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية”، فأسقطوا مفهوم الدولة الحديث على نظام حكم إسلامي نواته ونموذجه ما يسمونها “دولة المدينة”، التي تأسست في المدينة المنورة، وعدُّوا (الصحيفة) بمنزلة دستور تلك الدولة. لكن خرجت من تحت عباءة هذا التعبير جماعات سلفية وأصولية، وهذا يكشف عما يمكن أن يفضي إليه التلفيق.

في الحقيقة، إن مفهوم الدولة الحديث لم يكن معروفاً في ثقافة العرب المسلمين وتراثهم، ولم يكن معروفاً في الفكر السياسي الغربي قبل القرن السادس عشر الميلادي، وهو لا ينطبق على أي نظام من أنظمة الحكم في العصور القديمة والوسطى، بما فيها النظام “الإسلامي”، نظام الخلافة أو السلطنة أو الإمارة، وبما فيها المدينة/الدولة عند اليونان وغيرهم، لذا فإن الحديث عن “دولة إسلامية” في الماضي أو المستقبل هو من قبيل إسقاط مفهوم حديث باتت دلالته واضحة لدى مختلف الشعوب على نظام حكم إسلامي متخيَّل أو منشود.

هناك تناقض، بل تضاد بين الموصوف (الدولة) والصفة (الإسلامية)، إذ الدولة فضاء وطني عام مشترك بين المسلمين وغير المسلمين وبين العرب وغير العرب، والإسلام فضاء خاص بالمسلمين السنة أو الشيعة، حسب المتكلم، والخاص لا يحدِّد العام، بل ينحدُّ ويتحدَّد به. ليس هناك مشكلة في أن يؤلف إسلاميون حكومة في المستقبل، وفق مبدأ الانتخاب الحر وتداول السلطة سلماً، ولكن  تكمن المشكلة في محاولات أسلمة الدولة، لأن هذه الأخيرة لا تختلف في شيء عن تبعيث الدولة (دولة البعث) الذي هو أساس كل المشاكل.

إن نقد تعبير الدولة المدنية ليس نقداً لعبارة أو مقولة أو شعار، وليس نقداً شكلياً أو مجرد محاججة وسجال، بل هو نقد لنسق من الأفكار والتصورات التي توجه الممارسة الاجتماعية والسياسية، وتعيِّن القيم الأخلاقية، وتحدِّد، من ثم، نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية التي ينتجها هذا النسق. لذلك لا نرى في شعار الدولة المدنية سوى التفاف على مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وتأجيل لمشاكل سنواجهها عاجلاً أم آجلاً، ولذا ينبغي استبداله بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة المضبوط علمياً وفلسفياً والمحدد سياسياً وقانونياً وأخلاقياً، وتتفق البشرية المعاصرة على دلالاته الأساسية.

تعليق

*